شبكة لالش الاعلامية

د.سامان سوراني: إقليم كوردستان وسيناريوهات المسارات الإستراتيجية بين واشنطن وطهران

إقليم كوردستان وسيناريوهات المسارات الإستراتيجية بين واشنطن وطهران

د.سامان سوراني

تجاوزت العلاقات الأمريكية-الإيرانية في جوهرها حدود الخلافات الدبلوماسية التقنية، لاسيما في ظل تصريحات ومواقف الرئيس دونالد ترامب المتقلبة بين لغة التهديد العسكري وإبرام الصفقات، لتصل إلى حد يمكن تسميته في أدبيات العلاقات الدولية بآلية تشكيل نموذج كلاسيكي يفسر معضلات الأمن والمواجهة.

فعلى الرغم من إدراك واشنطن وطهران، وفق حسابات العقلانية السياسية، أن تكلفة التفاوض تظل أدنى بكثير من كلفة الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، إلا أن ديناميكيات الفوضى الدولية وغياب سلطة مركزية ناظمة تدفع الطرفين نحو الوقوع في شرك “المعضلة الأمنية”؛ حيث يترجم أي تفاهم أولي أو سعي من أحد الأطراف لحماية مصالحه الحيوية، على أنه مصدر تهديد مباشر للطرف الآخر، مما يعطل إمكانية الانتقال من الهدن المؤقتة إلى فضاء السلام المستدام، ويجعل التنازلات تُفسر محلياً وإقليمياً كمظهر من مظاهر الضعف أو الانكسار الإستراتيجي.

ويتجلى هذا الاستعصاء الدبلوماسي بوضوح عند إسقاط مفاهيم “المدرسة الواقعية” على مشهد تداخل الجبهات في الشرق الأوسط، حيث تشتبك الساحات من غزة ولبنان وصولاً إلى خطوط المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، لتتحول المنطقة إلى مسرح لتوازن القوى واختبار الإرادات الإستراتيجية.

وهنا يبرز غياب الثقة كعائق بنيوي يحول دون ردم الفجوة بين التصورات والمصالح، فالولايات المتحدة، بدافع الحفاظ على الهيمنة وحظر الانتشار النووي، تصر على إخضاع برنامج إيران لقيود صارمة تضمن عدم حيازتها لسلاح نووي، بينما تنظر طهران إلى قدراتها التكنولوجية وعمقها الإقليمي الممتد عبر شبكة حلفائها في المنطقة، كأدوات ردع حيوية وخط دفاع أول غير قابل للمساومة لضمان بقاء الدولة واستقلالها السياسي، وهي ترفض قطعياً مقايضة هذا النفوذ الإقليمي، أو التنازل عن أوراق قوتها البحرية في مضيق هرمز وباب المندب، التي تستخدمها كأدوات ضغط لكسر طوق العقوبات والحصار الاقتصادي المسلط عليها.

وفي قلب هذا الاستقطاب الحاد وتوازن الرعب الإقليمي، تبرز كيانات سياسية دستورية فاعلة كأصحاب مصلحة مباشرين في معادلة التهدئة، وفي مقدمتها إقليم كوردستان، فالإقليم يجد نفسه، بحكم موقعه الجيوسياسي وعلاقاته المتوازنة مع واشنطن وطهران، في عين العاصفة الإستراتيجية، حيث تمثل أي هزة في بنية الأمن الإقليمي تهديداً مباشراً لمكتسباته السياسية والاقتصادية واستقراره الأمني، مما يجعل من نجاح المسار الدبلوماسي حاجة حيوية للإقليم لضمان عدم تحوله إلى ساحة لتصفية الحسابات أو تبادل الرسائل الصاروخية والأمنية بين القوتين.

هذا التشابك في المصالح يفسر صمود جدران الصد أمام مبادرات السلام المستدام، إذ تعكس عوائق تسوية الصراعات الإقليمية، كشروط نزع سلاح الفصائل، غياباً تاماً لرؤية سياسية شاملة تستوعب هواجس كافة الفاعلين وتضمن حماية الكيانات المستقرة كإقليم كوردستان، فضلاً عن تأثير “المحددات الداخلية” في صنع السياسة الخارجية، حيث ترتبط الحسابات السياسية للقادة، مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أو القيادة في طهران، بضرورات البقاء السياسي والتماسك الداخلي، مما يجعل من تقديم التنازلات الإستراتيجية أمراً بالغ الصعوبة.

وتنعكس هذه التعقيدات البنيوية على طروحات مراكز الفكر وصنع القرار في واشنطن، والتي تعيد إنتاج مدارس العلاقات الدولية في مقاربتها للملف الإيراني، إذ يتبنى مركز بروكينغز مقاربة “إدارة المخاطر” العقلانية التي ترى في الدبلوماسية أداة ضرورية لاحتواء التصعيد النووي وتجنب مواجهة عسكرية مكلفة، معترفاً بمحدودية سياسات الضغط الأقصى المنفردة. في حين يدمج مركز الدراسات الإستراتيجية الدولية (CSIS) بين الدبلوماسية والردع، مشدداً على ضرورة طمأنة الحلفاء الإقليميين وفرض آليات رقابة صارمة تعيد صياغة توازنات القوى بما يحفظ استقرار الشركاء المحليين.

بينما يميل معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إلى تبني منطق “القوة الصلبة”، داعياً للتفاوض من موقع تفوق إستراتيجي يبقي على التهديد العسكري والعقوبات كأدوات ضغط حتمية لتعديل السلوك الإيراني الشامل، بما يشمل ملف الصواريخ الباليستية والشبكات الإقليمية.

تأسساً على هذه المقاربات والنظريات، ينفتح مستقبل المنطقة على ثلاثة مسارات إستراتيجية محتملة، يتجسد أولها في سيناريو “الاتفاق المرحلي واحتواء التصعيد”، والذي يقوم على تفاهمات جزئية مؤقتة تفضي إلى تخفيف محدود للعقوبات مقابل قيود نووية معينة، مما يتيح خفضاً مؤقتاً للتوتر يمنح مناطق الاستقرار كإقليم كوردستان متنفساً أمنياً واقتصادياً، دون حل الخلافات الجوهرية، لتبقى العلاقة محكومة بإدارة الأزمة وهشاشة الاتفاق أمام أي تحولات سياسية داخلية.

أما المسار الثاني والمتمثل في “استمرار الجمود والتصعيد المنضبط”، فهو يعكس حالة التعادل الإستراتيجي، حيث يعجز الطرفان عن تجاوز صيغة “الكل أو لا شيء”، فتستمر العقوبات الأمريكية بالتوازي مع تطوير إيران لقدراتها، مع حصر الصراع تحت سقف الحرب الشاملة عبر ضربات محدودة وحروب وكالة في الساحات الإقليمية، وهو مسار يضع استقرار الأطراف المجاورة في حالة استنزاف وقلق أمني دائم.

ويظل السيناريو الثالث والأخطر هو “انهيار المسار التفاوضي والمواجهة الواسعة”، والذي قد يفرضه حادث أمني غير محسوب في الممرات المائية أو جبهات المواجهة، دافعاً القوى الإقليمية والدولية نحو صدام عسكري مباشر وواسع النطاق، يحمل كلفة باهظة على الاقتصاد العالمي، ويهدد بشكل مباشر وبنيوي أمن واستقرار إقليم كوردستان والمنطقة بأسرها، مما يجعل كافة الأطراف تتجنبه برغم استمرارها في مراكمة عناصر القوة والردع على حافة الهاوية.

تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

___

د. سوزان ئاميدي: الموقف الكوردي من تداعيات الصراع الإسلامي الإسلامي

Lalish Duhok

اسعد عبد الله عبد علي: مشكلة السكن وحلف الأحزاب

Lalish Duhok

عبدالغني علي يحيى: هل يتضرر العراق من إقامة قاعدة أمريكية في كردستان؟

Lalish Duhok