قانون البطاقة الوطنية تأكيد على إنتهاك حقوق الأقليات الدينية في العراق!!
لاشك بأن الحقوق والحريات الدينية تحتل المرتبة الاولى في اهتمامات ابناء كافة الأقليات الدينية في العراق، كون هذه الحقوق تعبر عن خصوصية هذه الاقليات، وبالتالي نرى بأن الاخيرة تطالب بهذه الحقوق دائماً نظراً لتعرضها المستمر الى التمييز والاضطهاد من قبل الاغلبية المهيمنة على ادارة دفة الامور في البلاد ، سواءاً عن طريق تشريع الدساتير والقوانين أو من خلال تطبيق تلك القوانين بالصيغة التي تضمن لها ليس فقط استمرارية وزيادة هيمنتها، بل الاستمرار في ممارسة التمييز واضطهاد الاقليات حتى بوسائل قانونية عن طريق التشريعات التي تسنها وفقاً لرؤيتها.. ونتيجة لذلك فإن الاقليات الدينية تعبر دائماً عن استيائها عن ذلك، سيما وانه لاتوجد اية ضمانات لتلك الاقليات في العراق، التي تعمل اغلبيتها على اختزال كافة الاديان في دين واحد، واختزال كافة الشرائع في شريعة واحدة، وإظهار هذه الأخيرة على انها شريعة الدولة كلها وكل قانونها.
ورغم أن الدستور العراقي ينص في بعض مواده على ضمان الحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية للجميع ويضمن حماية قوية ضد التمييز ويضمن معاملة متساوية لجميع العراقيين بغض النظر عن الجنس، العرق، القومية، الأصل، اللون، الدين، المذهب، المعتقد، الرأي، أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي.. الا أن تلك النصوص لا تخرج عن كونها مجرد نصوص تجميلية يراد بها التغطية على ما تحمله مواد دستورية اخرى من تمييز وانتهاكات لحقوق الاقليات الدينية. والى جانب تلك المواد والفقرات الدستورية فإن التشريعات العراقية ايضاً لا تخلو من انتهاكها لحقوق تلك الاقليات. ولعل قانون البطاقة الوطنية هو واحد من تلك التشريعات، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بالحاح هل ان القانون الجديد قد اضاف شيئاً جديداً الى منظومة التشريعات العراقية ، أم انه تأكيد على ماورد في قوانين عراقية اخرى من انتهاكات لحقوق الاقليات؟؟
إن الاجابة على هذا السؤال لاتحمل أية صيغة للتردد على القول بأن قانون البطاقة الوطنية لم يأت بشئ جديد في مجال انتهاك حقوق الاقليات الدينية، بل انه جاء ليرسخ وليؤكد الانتهاكات الصارخة التي وردت في تشريعات عراقية سابقة. ومجلس النواب العراقي بدلاً من ان يحاول رفع الظلم التاريخي على هذه الاقليات فانه قام باعادة ممارسة الظلم عليها مجدداً. فإذا تمعنا النظر في المادة (26) من قانون البطاقة الوطنية المثيرة للجدل، سنرى بانها ليست سوى نسخة طبق الاصل للفقرة (3) من المادة (21) من قانون الاحوال المدنية العراقي رقم 65 لسنة 1972 المعدل، التي تنص على: (يتبع الاولاد القاصرون في الدين من اعتنق الدين الاسلامي من الابوين). كما ان الفقرة (2) من المادة (20) من القانون نفسه تنص على: (يجوز لغير المسلم تبديل دينه وفقا لاحكام هذا القانون).
لذلك نرى بأن ابناء الاقليات الدينية في العراق يرفضون رفضاً قاطعا للمادة (26) قانون البطاقة الوطنية كما سبق لهم ان أبدوا عن رفضهم للمادة (21) من قانون الاحوال المدنية، وذلك لعدة اسباب منها:
– انها تشكل اجحافاً وانتهاكاً صارخاً لحقوق الأديان غير المسلمة لأنها تتضمن نصاً تجبر القاصرين غير المسلمين على اعتناق دين آخر بالاكراه. وهو بذلك يعد إكراهاً على الآخرين للانتماء الى ديانة اخرى رغماً عن ارادتهم.
– انها تشكل مخالفة وخرقاً واضحاً لمبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان التي تنص عليها المواثيق الدولية لحقوق الانسان، كما انها تتناقض مع العديد من مبادئ الدستور العراقي التي تؤكد على المساواة وعدم جواز التمييز بين ابناء المكونات العراقية المختلفة، وتمنع أي محاولة لفرض أي فكر أو دين أوعقيدة عليهم بالاكراه.
– انها تشكل سبباً لخلق مشاكل عديدة بين أبناء المكونات المختلفة في المجتمع، ولاشك بأن المجتمع العراقي في غنى عن خلق مشاكل اضافية تزيد من حجم الشرخ وعدم الثقة الحاصل بين مكوناته المتنوعة.
إن الصيغة الأنسب لرفع الظلم والحيف على ابناء الاقليات تكمن في تعديل تلك النصوص القانونية التي تتعلق بحالات تغيير الديانة من قبل أحد الوالدين وجعلها بالصيغة التالية:
(يبقى الاولاد القاصرون على ديانتهم في حال تبديل احد الأبوين لديانتهم مع الاحتفاظ بحقهم في الاختيار عند بلوغم سن الرشد).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ماجستير في القانون الدولي لحقوق الانسان.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

