شبكة لالش الاعلامية

معد فياض: “زوار الفجر” في كركوك

“زوار الفجر” في كركوك

معد فياض

عزيزي المواطن العراقي، أينما كنت في العراق، ماذا سيكون شعورك عندما تداهمك قوة عسكرية وأنت تتناول مع عائلتك طعام السحور في شهر رمضان الفضيل، أو كنت نائماً في سريرك، لتجرجرك مع زوجتك وأطفالك بالقوة إلى خارج بيتك الذي تملكه وتعيش فيه منذ سنوات طويلة، متهمةً إياك بالتجاوز على أراضي الدولة تحت حجة تنفيذ قرارات عليا؟ فتضطر أنت وعائلتك إلى الجلوس على الرصيف المقابل لبيتك أو تلفلف أطفالك بالبطانيات وتمشي بحثاً عن ملجأ لكم؟!.

هذا ما حدث فجر اليوم الأحد، 22 شباط 2026، لسكان حي نوروز الكوردي في كركوك حيث تم طرد الكورد، السكان الأصليين للمدينة، من بيوتهم بالقوة على أيدي العسكر وبطرق مهينة للغاية، ثم نأتي لاحقاً لنطلب من هذا المواطن الكوردي العراقي أن يشعر ويتصرف بروح وطنية ويدافع عن بلده ويضحي من أجله؟.

هنا تبرز عدة أسئلة منطقية وتحتاج إلى أجوبة أكثر منطقية، منها هو أن هذه العوائل التي تم طردها و(سحلها) من بيوتها فجر اليوم لو كانت متجاوزة على أراضي الدولة العراقية، وهم عراقيون بلا شك، كان يجب أن يتم التعامل معهم وفق القوانين السارية وعبر القضاء العادل، وأن يتم إنذارهم مسبقاً بطرق قانونية محترمة؟ ويسمح لهم بمراجعة الجهات القضائية المختصة؟ أم أن الجهات التي أمرت بالهجوم على هذه العوائل وجدت أن هذه هي الطريقة الصحيحة بتكليف القوات بمداهمتهم وإخراجهم من غرف نومهم ورميهم في الشارع؟.

السؤال الأكثر إلحاحاً هو: من تجاوز على من؟ فأي متابع للأوضاع السياسية والاجتماعية والتاريخية والجغرافية والثقافية العراقية يعرف أن كركوك، ذات الأغلبية السكانية الكوردية، هي أكثر المدن العراقية التي تعرضت للتغيير الديموغرافي وحملات التعريب منذ قيام الدولة العراقية وحتى اليوم، وكانت أكثر هذه الهجمات، ولا أقول الحملات، قد تمت في عهد حكم حزب البعث التي منحت للعراقيين العرب امتيازات خيالية تلخصت بمنح قطعة أرض ومنحة بناء مسكن ووظيفة لكل عراقي ينقل سجل نفوسه من محافظته، أي محافظة كانت من جنوب وغرب وشرق ووسط البلد، إلى كركوك، وتجاوزوا بقوة نظام البعث الإرهابي على عقارات وأراضٍ سكنية وزراعية، التي هي ملك الكورد الذين أُبعدوا عن ديارهم، بل إن الأمر تعدى ذلك إلى محاولة محو الاسم التاريخي للمدينة وتغييره من محافظة كركوك إلى محافظة التأميم حتى تم تغيير النظام العراقي في 2003 عندما أعلن رئيس مجلس المحافظة، وقتذاك، رزكار علي، وهو كردي، استرجاع اسمها الأصلي، كركوك.

نحن هنا نتحدث عن حقوق الكورد باعتبارهم تاريخياً يشكلون الأغلبية السكانية لكركوك، استناداً إلى وثائق تاريخية غالبيتها معروفة ومنشورة، وواحدة منها، وهي وثيقة صادقة وحياتية، أنقلها عن الدبلوماسي ووزير الخارجية العراقي الأسبق، الراحل، الأكاديمي عدنان الباجه جي، والتي وردت في مذكراته التي كتبتها ونُشرت على صفحات رووداو عربية كحلقات، تحت عنوان “رجل بين قرنين”، حيث قال: “عندما كان والدي (مزاحم الباجه جي) وزيراً للداخلية في وزارة نوري سعيد الأولى، عام 1933، زار كوردستان، كانت تسمى شمال العراق، وقد أخذني معه وكان عمري عشر سنوات، حيث زار جميع المدن الكوردية، كركوك (نلاحظ أنه يذكر هنا كركوك باعتبارها مدينة كوردية تابعة لكوردستان منذ ذلك التاريخ) والسليمانية وأربيل ودهوك وزاخو والعمادية وراوندوز”. وهذه وثيقة لا يرقى إليها الشك.

لقد عالجت المادة 140 من الدستور العراقي مسألة المناطق المتجاوز عليها بصورة عملية، لكن العراقيل التي وُضعت وما زالت حالت دون تنفيذ هذه المادة لاسترجاع حقوق الكورد الذين سُلبت أراضيهم في كركوك خاصة. وأثبت هنا وثيقة معاصرة أخرى حسب المواطن الكوردي، عز الدين طالباني، وهو من سكان كركوك، الذي تمت مصادرة أكثر من 50 ألف دونم من أراضيه عام 1975 في قضاء داقوق بمحافظة كركوك ومنحها مع مئات الآلاف من الدونمات للعشائر العربية القادمة من وسط وجنوب العراق، وهو لا يتوقع أن يسترد أملاكهم بين ليلة وضحاها، قال لرووداو: “ليس من السهولة أن يترك شخص وعائلته أرضاً حصل عليها وفق قرارات حكومية وعمل وعاش فيها على مدى 50 عاماً ويقول لي تفضل هذه أرضك ويرحل”. ويشير بدقة بالأرقام والتواريخ والأسماء والعناوين إلى المناطق التي تمت مصادرتها “بعد النكسة التي لحقت بالثورة الكوردية نتيجة اتفاقية الجزائر عام 1975، صدر في تموز من العام ذاته قرار مجلس قيادة الثورة رقم 369 في تموز 1975 وبموجبه استولت الحكومة على 135 ألف دونم ابتداءً من قضاء دبس في كركوك”.

طالباني، الملم بقصص السيطرة على أراضي الكورد والتركمان وفق قرارات مجلس قيادة الثورة بكل تفاصيلها، أكد أن: “الاستيلاء على أراضينا تمت وفق قرارات لمجلس قيادة الثورة وليس بقرار واحد، وقرارات هذا المجلس (المنحل) تحولت إلى قوانين، بل لها سطوة وقوة أكبر من القوانين الحكومية”.

المواطنة يا سادتي ليست دواء يُمنح لأي شخص ليكون مواطناً، بل هي شعور بالانتماء يترسخ عبر معاملة الدولة له بضمان حقوقه والحرص على كرامته وكرامة عائلته وإشعاره بالاستقرار والطمأنينة، وليس بالمداهمات البوليسية وإهانته وزعزعة استقراره. وكورد كركوك لا يستحقون تلك المعاملة المهينة التي شاهدناها عبر مشاهد فيديو حيّة عرضتها شبكة رووداو ومواطنون محايدون، فهم مواطنون عراقيون لهم حقوقهم التي يضمنها الدستور والقوانين، مثلهم مثل أي مواطن عراقي آخر.

تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

___

اياد خانكي: إحياء تجارة الرق من قبل تنظيم الدولة الاسلامية ”داعش”

Lalish Duhok

شكري رشيد خيرافايي: العراق وتفاقم آفة المخدرات

Lalish Duhok

عبدالله كوفلي: العراق تحت رحمة الاختطاف

Lalish Duhok