رواية “الجحيم المقدّس” للكاتب و الروائي “برهان شاوي”
نوميديا جرّوفي، شاعرة و مترجمة و باحثة من الجزائر
هي رواية سينمائية حقيقية، جعلنا الكاتب بإبداعه نتأمل الطبيعية و هو يصف لنا المناظر بكلّ نقاوتها و عذوبتها.
وصف يرافقه تأمّل مرهف للمكان:
“الشمس اللاهبة تضيء السماء، السهل و الجبال بنورها الباهر. الوادي الرّحب يمتدّ بين سلسلتين من الجبال. الأشجار تتوزّع دون انتظام..في إحدى الجهات تتدفّق عيون الماء التي لا تبعد الواحدة عن الأخرى كثيرا.الماء الرقراق ينضح عنها ليسيل في جداول صغيرة، بينما يمتد السهل شاسعا و رحبا في الجهة الأخرى”.
و في الوصف التالي:
” القبور تتناثر بدون انتظام و لا يميّز أحدها عن الآخر سوى كميّة الأحجار التي تحيط به أو ترتفع عليه، و كأنما يأبى البشر ما داموا أحياء إلاّ أن يتمسّكوا بتمايز أحدهم عن الآخر حتى أمام الموت، رغم أنّه ساواهم تحت جناحه في مملكة الظلام”.
و تدور أحداث مهمة و مؤسفة و مرعبة في آن واحد في شمال العراق، في قرية شبه مهجورة تتوسط الوادي، إنها “قرية قاينجة” التي لا تبعد كثيرا عن المدينة الصغيرة “سيد صادق” التي تقع عند نهاية الوادي…و في الطرف الآخر من الوادي، و على بداية سفح الجبل ترقد قرية صغيرة جدّان قرب عيون الماء. إنها قرية “كاني سكان” التي لا تتعدّى بيوتها العشرة.
تتسارع الأحداث في الرواية من مكان لآخر و معها الشخصيات و نحن بين السّطور فيها كأننا نشاهد فيلما مخيفا مرعبا و ينتابنا غضب عارم بسبب الظلم حيث لا ينجو منه أحد. و في نفس الوقت نشعر بالخوف على شيرين و أمها التي تذهب بحثا عن ابنها هيمن في المدينة، و هناك أيضا علي الفيلي، هاشم، صباح الرسام الذي يجبر على أن يصير عضوا بالحزب بعد أن شاهد جاراه من الطابق الأرضي و هما أشبه باللحم المدهوس و مشوّهين حدّ البشاعة من أثر التعذيب فلم يستطع المسكين تحمّل المشهد فأمسك القلم و وقّّع بسرعة ثمّ أجهش ببكاء مسموع بعد أن ألقى برأسه على الورقة و غطّاه بيديه.
و هناك الجندي عبد الله الذي نخاف عليه من الملازم صلاح المسؤول الحزبي و طراد التكريتي الذي يرصد الضحايا و يكتب عنهم تقارير و من الجاسوس المختار الذي يتجسس على أبناء القرية الذين هم أبناء جلدته..
شخصيات الرواية تجعلنا ندخل معها جحيمها… و يا له من جحيم حقيقي..
مأساة رواية “الجحيم المقدّس”:
تقصف القرية و يباد أهلها، تنجو شيرين التي قتل خطيبها و معها أمها فتذهب بها إلى قرية أخرى لتحميها و تتركها هناك كأمانة في أحد البيوت لمعارفها حيث تسافر إلى بغداد لتعرف مصير ابنها هيمن القابع في سجن “أبو غريب” ، فتذهب أولا عند ابن أختها علي الفيلي الذي يسكن في بيت تتوزع فيه غرف المستأجرين منهم: هاشم المتدين و صباح الرسام الشيوعي و طراد الذي يكتب تقارير للسلطات.
تنجو شيرين من المذبحة للمرة الثانية حيث كانت ستغادر رفقة البشمركة و تكون في حمايتهم، لكن شاءت الصدف أن تعتقل، و يكلّف الجندي عبد الله بمهمّة إيصالها إلى الفرقة السابعة في السليمانية للتحقيق معها و بعدها إلى الفيلق الأول في كركوك..
يجد الجندي عبد الله نفسه في واقع مرير حيث يشفق عليها و في نفس الوقت عليه أن يطيع الأوامر فتبدأ رحلة محفوفة بالخوف و التّوجّس إذ لا مكان للعواطف لأنه جندي مكلف ليطبق ما أمر به بالرغم من أنه يملك روح فنان يهوى المطالعة خاصة الروايات المترجمة و يقضي معظم أوقاته خارج الواجب العسكري عند النبع في شخصية جوليان بطل رواية “الأحمر و الأسود” للكاتب الفرنسي “ستندال” فيتداخل هنا الحلم بالواقع..يقرأ ليهرب من الواقع الأليم و الأمرّ من العلقم إلى رحاب الأدب حيث ينسى مكان وجوده الحقيقي المرعب.
ما أصعب مشاعره و هو في موقف يستوجب العنف عندما طوقت القرية و أمروا بقتل كل من فيها و هي مليئة بالأبرياء( نساء و شيوخا و أطفالا..)..
“كان عبد الله يائسا،أراد أن يبكي، لم يستطع، لم يعد قادرا على تحمّل معاناته، أحسّ بأنه بعيد..بعيد..التفّ بكلّ جسده إلى السماء و أشرع بندقيّته إلى الفضاء المظلم و أطلق سيلا من الرصاص”.
الرّوائي “برهان شاوي” ليخفّف عنّا من الأوضاع الصعبة ومن مشاهد الرعب جعلنا ننتقل بين الفينة و الفينة لأجواء الرواية المترجمة لتنقية الروح المرهقة لتكون منفذا و خلاصا في مثل تلك الحالة الأليمة التي عاشها الجندي عبد الله و هو ينتقل من مكان لمكان بالمسكينة شيرين التي لم يعرف كيف يخفف عنها.
تصل أم شيرين المسكينة إلى بغداد و هي لا تعرف باعتقال ابن أختها علي الفيلي بتخطيط من طراد، و تقابل الرئيس بشق النفس الذي يسخر منها و ينفي وجود ابنها هيمن معتقل عندهم، و بعد إصرارها الشديد لتراه يأمر أحد الشرطيين أن يأخذها لغرفة الثلاجات كما سمّاها.فتندهش المسكينة و هي تسمع عن الثلاجات..تدخل هناك فتراه جثّة هامدة ميّتا منذ أيّام ربّما و قد اخترق جسده الرصاص و آثار التعذيب ما تزال بادية على جسده الفتيّ..تصرخ المسكينة و تبكي و تشتم النظام بلغتها الأم الكردية فلا يفهمها الشرطيان ثم يسحباها بقوة فتلفظ أنفاسها الأخيرة بين أيديهما.. فنذرف نحن دمعتين مع جثة الابن على أمه الذي ذرف دمعتين من عينين المتحجّرتين اللتين غادرتهما الحياة.
“كانت جثة الابن صامتة في عتمة الثلاجة و البرد، كان رأس الجثة مغمض العينين، كانت صرخات الأم تصل إلى أذني الجثة… انحدرت دمعتان من عيني الجثة”
نعود لشيرين الفتاة الكردية المسكينة التي اعتقلت و هي بريئة و تغتصب من قبل أحد الضباط، و في كل مقر تصل فيه ليجعلوها تعترف و هي تجهل العربية فتغتصب أكثر من مرّة.
“كانت تبكي دون صوت مسموع و كان وجهها رغم الألم و الدموع يعبّر عن الاستسلام و الانهيار النفسي التّام”
المسكينة باتت ضحية للوحشية و جسدها الفتيّ قربانا للوحوش البشرية التي لا تعرف الرّحمة.
و من خلال جندي يتعرف عليه الجندي عبد الله في أحد المراكز نعرف بأمر امرأة أخرى حامل في شهرها الرابع قادها الجندي هي الأخرى من مركز لمركز حيث قتل زوجها و أطفالها فتغتصب في كل مكان تصل إليه، و هناك نعلم أنها تغتصب بشكل جماعي فيسقط الجنين ميتا و تنزف المسكينة حتى الموت فينتحر الجندي المكلف بإيصالها بعد أن سمع بنزيفها و موتها لأنه لم يحتمل تلك الوحشية و البشاعة فيطلق على نفسه رصاصة في رأسه.
أدب الرواية:
نتلمّس في الرواية القليل من الأدب العراقي العريق في لهجته المتناغمة باللغة العامية.
الرواية كتبت بلغة تمتزج فيها اللغة العامية العراقية الأصيلة في وصف سينمائي و حبكة فنية و سرد شيق نتلمس من خلالها الأسى و الألم و الإشفاق و الغضب و الرّعب.
يقف الإنسان عاجزا عن التعبير و فهم ما يدور وسط جحيم كهذا الذي جعلنا الكاتب و الروائي “برهان شاوي “ندخله و نشاهد مأساة وطن و ضياع وسط أهداف سياسية ظالمة لا تعترف بحق الجميع.
الزمن الحقيقي للرواية يهيمن على كل الصفحات و القاع المظلم الأليم الذي عاشته الشخصيات حينها و مشاهد يقشعر لها البدن لم يعرفها العالم حينها، بل و عاشها العراقيون في تلك الفترة في حقبتها السوداء بكوابيسها اللاّمنتهية.
رواية “الجحيم المقدس” رواية مهولة في أحداثها و مرعبة و مخيفة و مؤلمة كما أنها كاشفة بكل تفاصيلها عن الهمّ العراقي و تعتبر كشاهد عصر على الزمن المرعب الذي عاشه أهلها في السبعينات.
كتبها الرّوائي و الكاتب “برهان شاوي” في الثمانينات، لكن صدى الألم و الكوابيس و الرّعب ما يزال يطنّ في الآذان بما حمله في طيات صفحاته الزمنية و التاريخية رغم مرور الزّمن للشعب العراقي.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
