شبكة لالش الاعلامية

د. فيصل صادق توفيق: البارتي في بغداد… حضور لم تكسره الأزمات

البارتي في بغداد… حضور لم تكسره الأزمات

د. فيصل صادق توفيق

لم تتوقف خلال السنوات الماضية محاولات إضعاف الحزب الديمقراطي الكوردستاني، سواء عبر استهداف حضوره السياسي في بغداد، أو التشكيك بدوره داخل إقليم كوردستان، أو السعي لعزله عن محيطه الإقليمي والدولي.

إلا أن ما كشفته التطورات السياسية المتلاحقة هو أن تلك المحاولات لم تُنتج واقعا جديدا بقدر ما أكدت حجم الحضور الذي يمتلكه البارتي داخليا وخارجيا. فالحزب الذي ظنّ البعض أن الضغوط السياسية ستؤدي إلى تراجعه، عاد ليؤكد من خلال نتائج الانتخابات الكوردستانية والنيابية العراقية أنه ما يزال القوة السياسية الأكثر حضوراً وتأثيراً داخل الشارع الكوردي، وأن قاعدته الجماهيرية بقيت أكثر تماسكا في مواجهة التحديات. وفي الوقت الذي كان يروج فيه لفرضية تراجع دوره، كان البارتي يعزز حضوره الإقليمي والدولي من خلال مشاركة قياداته السياسية في المحافل الدولية والإقليمية، واستمرار علاقاته الفاعلة مع القوى المؤثرة في المنطقة والعالم. كما أن قدرة الحزب على إدارة إقليم كوردستان والحفاظ على استقراره الأمني والسياسي، رغم الأزمات الاقتصادية والضغوط المالية والتحديات الأمنية التي عصفت بالعراق والمنطقة، عكست بوضوح أن الحديث عن ضعف البارتي لا يستند إلى الوقائع بقدر ما يستند إلى حسابات سياسية ورغبات لدى خصومه.

الحزب الديمقراطي الكوردستاني لم يكن مجرد طرف سياسي عابر في المشهد العراقي، بل شكّل طوال السنوات الماضية أحد أعمدة التوازن السياسي في العراق بعد عام 2003. فقد تمكن من فرض حضوره في الملفات السيادية الكبرى، سواء في قضايا العلاقة بين أربيل وبغداد، أو ملف النفط والغاز، أو حماية الحقوق الدستورية لإقليم كوردستان، أو المساهمة في رسم معادلات التفاهم السياسي داخل العاصمة العراقية. ولذلك فإن توصيف أي خلاف سياسي أو تراجع مرحلي على أنه “هزيمة للبارتي” يبدو قراءة سطحية لا تعكس حقيقة موازين القوى ولا طبيعة المشهد العراقي المعقد. كما أن التجارب السياسية أثبتت أن أحد أبرز أسباب تراجع الموقف الكوردي في بغداد كان دائماً الانقسام الداخلي وتعدد الخطابات السياسية الكوردية داخل المؤسسات الاتحادية. فحين يغيب التنسيق، تتراجع القدرة التفاوضية، وتصبح المكتسبات الدستورية والسياسية عرضة للضعف والتآكل. ومن هنا يرى كثيرون أن المشكلة لم تكن في قوة البارتي أو حضوره، بل في غياب موقف كوردي موحد قادر على استثمار هذا الحضور بما يخدم مصالح الإقليم والعراق معاً. وعلى المستوى الأمني، لعب الحزب الديمقراطي الكوردستاني دوراً أساسياً في الحفاظ على استقرار إقليم كوردستان، خصوصاً خلال المراحل التي شهد فيها العراق انهيارات أمنية خطيرة وصعود الجماعات الإرهابية. وقد انعكس هذا الاستقرار على الواقع الاقتصادي والاستثماري والسياحي، وجعل الإقليم أكثر قدرة على جذب الاستثمارات والحفاظ على بيئة مستقرة مقارنة بمناطق عديدة في العراق.

أما اقتصادياً، فقد ساهم البارتي في بناء تجربة تنموية مختلفة نسبيا، من خلال دعم البنية التحتية وتشجيع الاستثمار والانفتاح الاقتصادي، رغم ما تعرض له الإقليم من أزمات مالية وحصار وضغوط متكررة. ورغم كل تلك التحديات، بقيت مؤسسات الإقليم قائمة، واستمرت الخدمات العامة، وهو ما يعكس وجود خبرة سياسية وإدارية في إدارة الأزمات والتعامل مع التحولات المعقدة. وفي البعد القومي والثقافي، حافظ الحزب الديمقراطي الكوردستاني على موقعه بوصفه أحد أبرز المدافعين عن الهوية الكوردية والحقوق الدستورية لشعب كوردستان، مستندا إلى إرث طويل من النضال السياسي والقومي. ولذلك فإن أي محاولة لإضعاف هذا الحضور لم تكن تنعكس على حزب سياسي فحسب، بل على مجمل القضايا الكوردية داخل العراق.

إن ما يجري اليوم في بغداد لا يمكن النظر إليه باعتباره إضعافاً للبارتي بقدر ما هو تفريط بقوة سياسية وجماهيرية واقتصادية وقومية تمثل أحد أعمدة التوازن والاستقرار في العراق. وهذه الخسارة، إن استمرت، لن تكون خسارة للبارتي وحده، بل خسارة للعراق قبل أي طرف آخر. لأن الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقي، رغم كل الضغوط والتحديات، محتفظاً بقوته الشعبية، وحضوره السياسي، ومكانته الإقليمية والدولية، وبقدرته على إدارة الإقليم والحفاظ على استقراره، وهو ما يؤكد أن البارتي لم يفقد موقعه الحقيقي، بل ما يزال رقماً أساسياً في معادلة العراق والمنطقة.

تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

___

حسن الخفاجي: لماذا كفر العراقيون بالعروبة ؟

Lalish Duhok

حسن الخفاجي: الرئاسات العراقية خالية من الدسم !

Lalish Duhok

خيري إبراهيم كورو: دولة داعش تفوز بدون انتخابات

Lalish Duhok