استراتيجية “تجنب الفخ”.. لماذا تتجنب دول الخليج الرد العسكري على إيران؟
تشهد منطقة الخليج العربي موجة جديدة من التوترات العسكرية المتصاعدة، حيث عادت الضربات الإيرانية لتطال عدة عواصم خليجية في شهر يوليو الجاري، وذلك في أعقاب وصول مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران إلى حافة الانهيار. ورغم اتساع رقعة الهجمات التي شملت الكويت والبحرين وقطر وسلطنة عمان والإمارات، وصولاً إلى الأردن وسوريا، إلا أن العواصم الخليجية ما تزال تلتزم باستراتيجية “النأي بالنفس” وتجنب الرد العسكري المباشر.
بدأت الشرارة الجديدة بعد توقف العمليات الكبرى في أبريل الماضي بموجب تفاهمات أميركية-إيرانية، إلا أن الحرس الثوري عاد لاستهداف السفن في مضيق هرمز. ردت الولايات المتحدة بموجة ضربات، ليعقبها استهداف إيراني مباشر لدول الخليج بذريعة استضافتها للقواعد الأميركية.
وفي ظل هذا المشهد، يبرز التساؤل الجوهري: لماذا لا ترد دول الخليج عسكرياً رغم امتلاكها القدرة التقنية؟ وهل هو قرار نابع من حكمة سياسية أم من قيود دفاعية؟
ويرى الكاتب والمحلل السياسي السعودي، عشق بن محمد بن سعيدان، في تصريحات لـ “كوردستان 24 عربية”، أن دول الخليج تنتهج استراتيجية مدروسة لتفويت الفرصة على الأطراف الساعية لجر المنطقة إلى “حرب مدمرة”، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإيراني وإسرائيل.
وأوضح بن عشق أن الحسابات الخليجية تضع “الاستقرار الاقتصادي وجذب الاستثمارات” كأولوية لا يمكن المساس بها، خاصة مع مضي السعودية والإمارات في مشاريع تنموية كبرى مثل “رؤية المملكة 2030”. وأضاف أن الرد العسكري التقليدي على إيران يبدو معقداً نظراً لامتلاك طهران قدرات “حرب عصابات” وشبكات وكلاء، واصفاً الأسلوب الإيراني بأنه “عصبوي ميليشياوي” لا يلتزم بمنطق الدولة.
من جانبه، حذر أستاذ العلوم السياسة و الإعلام في جامعة قطر علي عبدالله الهيل، في تصريح له لكوردستان24 عربية، من الانزلاق إلى “خطيئة استراتيجية” قد تحول المنطقة إلى “خراب”. وأشار الهيل إلى أن التصعيد الحالي هو نتاج ضغوط “إسرائيلية-أمريكية” أجهضت مفاوضات فيينا التي شهدت اختراقاً دبلوماسياً تمثل في موافقة إيران على تجميد تخصيب اليورانيوم.
وكشف الهيل أن “مذكرة التفاهم” المنهارة كانت بجهود قطرية مدعومة بـ “حشد إقليمي” ضم السعودية وتركيا وباكستان، وهو ما أدى لتهميش الأجندات الهادفة لإفشال التقارب. وأكد أن بقاء السفارات مفتوحة يعكس رغبة خليجية في التعايش مع إيران كـ “جار أصيل”، مقابل رفض الانخراط في مشروعات “الشرق الأوسط الجديد” التي يروج لها نتنياهو.
ورغم امتلاك دول الخليج لترسانة جوية متطورة تضم مقاتلات “إف-15″ و”إف-16” و”يوروفايتر”، إلا أن قرار استخدامها يظل “سيادياً بالغ الحساسية” كونه ينقل هذه الدول من وضع “المُستهدف” إلى “الشريك في الحرب”.
على الصعيد الدفاعي، تعتمد دول المنطقة على منظومات “باتريوت” و”ثاد” تحت المظلة الأميركية، والتي نجحت في صد هجمات عديدة، لكن الإصابات الأخيرة في قطر والبحرين والكويت كشفت عن ثغرات أمنية، كان أبرزها حادثة “النيران الصديقة” في مارس الماضي التي أدت لسقوط مقاتلتين أميركيتين في الكويت نتيجة خطأ في تمييز الأهداف.
وكشفت بلومبرغ عن مساعٍ إماراتية لإقناع السعودية وقطر بتبني “رد عسكري منسق”، إلا أن التوافق لم يتحقق بعد. وبحسب الخبير الاستراتيجي خالد الصلال، فإن النقاش الخليجي يتجه الآن نحو:
الردع الجماعي: رفع كلفة استهداف المصالح الخليجية عبر إجراءات أمنية مشتركة.
تكامل الدفاع الجوي: السعي لإنشاء “ناتو خليجي” بقيادة سعودية.
تنويع الشراكات: تعزيز التعاون الدفاعي مع قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان، وتوطين الصناعات العسكرية المحلية.
ختاماً، تجد دول الخليج نفسها في موازنة دقيقة بين الحفاظ على سيادتها أمام الضربات المتكررة، وبين حماية نهضتها الاقتصادية من الانجرار إلى صراع استنزافي طويل الأمد، مفضلةً حتى الآن خيار “الدبلوماسية الأمنية” على المواجهة الشاملة.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
