حسن الخفاجي
هرعنا صوب بيت جارنا وحيد بعدما ارتفع صوته صائحا على ضيفه شلش: “أسنين طويلة وانته ذابحنه كل الناس تخلص صلاة وانته بعدك ، طلعت تصلي للحور العين مو لله “.
سنوات خلت وشهور وأنا أحث صديقي المزمن خلف الذي اعرفه منذ أكثر من أربعة عقود ، مناضلا صلبا قارع حكم البعث منذ عام 1963 وسجن مرات عدة وظل عوده صلبا لم يساوم أو يتنازل عن عقيدته الوطنية . صحيح انه ترك الانتماءات الحزبية والصحيح أيضا انه استظل بظل الوطن. حافظ على روح عراقية نقية الهوى ولم يلتفت إلى المسميات الأخرى.
غادر العراق مكرها ومرغما صوب المنافي ، أسهم من منفاه وعلى طريقته الخاصة بكل نشاط موجه ضد حكم صدام ، رفاق دربه في ساحات النضال من مختلف الجهات من اليسار ومن اليمين من المتدينين والعلمانيين ، اغلب من الواجهة السياسية يعرفونه جيدا.
عاد للعراق واعتزل السياسة ، حتى انه اعتكف عن التواصل مع اغلب من كانوا معه. سألته مرارا عن سبب عزلته واعتكافه ، امتنع عن الإجابة مع علمي انه لا يخاف ولا يهاب أحدا ، لكنه اثر الصمت.
قبل فترة فجرت فيه كامن أسراره وغضبه ، بعدما طلبت منه ان يترشح للانتخابات ليسهم في عملية التغيير التدريجي صوب عراق ديمقراطي حقيقي مثلما أسهم سابقا في النضال ضد الدكتاتورية.
أجابني غاضبا : “لماذا لا تترشح أنت وأنا من أتولى حملتك الانتخابية وأتولى الدعاية لك” ؟
أجبته : مهمتي الكتابة ، كي أكون مهنيا قدر المستطاع يجب ان لا أنخرط في العمل السياسي أو البرلماني . ألححت عليه ان يترشح ، حينها أجابني:
لماذا تريدني ان اختم حياتي وتاريخي في مواطن شبهات !؟.
سألته :هل البرلمان العراقي موطن شبهة ؟.
أجاب: “ليس البرلمان وحده بل الشبهة طالت كل من يتصدون للعمل السياسي!. إذا أردت أن تعرف رأي العراقيين في البرلمانيين والسياسيين اذهب إلى العراقيين البسطاء في أسواقهم وأماكن عيشهم واسألهم ، ستعزز حتما عندك القناعة بفساد اغلب السياسيين والبرلمانيين ، لو تابعت الفضائيات العراقية وبرامجها ، التي تعكس أراء العراقيين ستجد انني لست مبتكرا أو منتجا لهذه الفكرة .
أكمل خلف قائلا:” إذا كانت منطقتا الصابونجية و الميدان في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي أماكن شبه ، ولا تسكن فيها الأسر المحافظة الا تحت ظروف قاهرة ، وجزء كبير من منطقة الكمالية في بغداد ومنطقة الفوار في الديوانية مناطق مشبوهة حتى وقت سقوط النظام ، فان البرلمان العراقي الآن هو مكان الشبهة الأول !. أردف قائلا: أتعرف ما اكبر ذنب اقترفه اغلب من مارسوا العمل البرلماني والسياسي بعد السقوط ، ليس إثراؤهم الفاحش على حساب المال العام ، ولا لتقاسمهم المناصب على أساس طائفي وقومي، وليس كل ما اقترفوه من جرائم بحق الوطن والمواطن ، بل ان شيئا واحدا عملوه سوف لن تمحى آثاره لعقود ، إنهم خانوا الأمانة وأساءوا إلى العراق بتشويههم سمعته وسمعة مؤسساته .
كيف تطلب مني بعد تاريخي الذي تعرفه أن أكون تحت سقف تعلوه الشبهة!. أكمل: يوصفون من اغلب العراقيين بأبشع الأوصاف ويشتمون بأقذع الشتائم.
أجبته : لكن هذا لا يعني ان كل البرلمانيين ولا كل الساسة هم ممن وصفتهم، بينهم الكثير من الوطنيين المخلصين ، الذين يريدون الوصول بالعراق إلى ما يتمناه جميع الوطنيين ، الذين ترنوا عيونهم إلى مستقبل امن خالي من الفاسدين والسراق والطائفيين .
بعد ان ذكرته بقضية جارنا السابق وحيد وضيفه الذي يصلي للحور العين سألته : هل ان اغلب البرلمانيين هم مثل شلش يبغون الحور العين ، ويأتون للبرلمان للامتيازات فقط ؟
أجابني: نعم مع الأسف الشديد ، وإلا بماذا تفسر ان عددا من المتهمين بالسرقة واللواط والبغاء والاغتصاب والرشا والتزوير ونهب المال العام وخيانة الأمانة وتهريب الآثار وتسريب أسئلة الامتحانات والقتل والإرهاب وغيرها من الجرائم الفظيعة ، كانوا ممن تقدموا للترشيح وتم استبعادهم !؟
لقد قدموا ترشيحهم للبرلمان دون خشية أو خوف أو وجل أو حياء ، لو لم تكن الأموال والامتيازات والوجاهة والسرقات هدفهم لما تقدموا للترشيح .
تركت خلف يرمي حمم بركان غضبه ،بعد ان وصل إلى قناعة لا يمكنني وغيري أن نغيرها آخر كلماته كانت :” البرلمان والفوار والميدان والصابونجية والكمالية سابقا متساوون في شبهات الفساد “.
اغلب البرلمانيين الحاليين والسابقين ومن سيأتون لاحقا لا يختلفون عن شلش ، فهم يتعبدون طمعا بالحور العين ، ويجعلون من البرلمان مكانا للإثراء غير المشروع .
صديقي خلف أفكاره وأطروحاته خلافية وفيها الكثير من الآراء الجريئة والخطيرة ، فيها أيضا منزلقات لكن بعضها لا يخلوا من حقيقة مرة !.
مع ذلك فالبرلمان الحالي والمنصرف فيه أناس وطنيون همهم الأول رفعة الوطن والبعض من الساسة لا يقلون وطنية منهم .
أفكار صديقي خلف وأطروحاته يجب ان تحفزنا لان نختار بدقة المرشحين، الذين لم تؤشر عليهم تهم فساد أو إثراء ، ممن تجاربهم السابقة كانت تجارب ناجحة . وصفوا ويصفون بالنزاهة وعفة النفس ونظافة اليد ، وهم بعيدون عن الطائفية والقومية والتعصب . على عناد خلف آني أروح انتخب .
“اتجاه الأشرعة وليس اتجاه العواصف هو الذي يحدد وجهة سيرنا “
Hassan_alkhafaji_54@yahoo.com
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

