حكاية الخيال في زمن الطفولة: كيف شكّل القائد مسعود بارزاني وجدان الأجيال؟
سعود شنگالى
شهدت ولاية شرناخ في شمال كوردستان في الآونة الأخيرة حدثاً تجاوز حدود الحدث الثقافي ليلامس أعماق الوجدان السياسي والقومي، تمثل في الملتقى الدولي الرابع للشاعر الكبير ملا جزيري. هذا المحفل الأدبي، المخصص لتكريم قامة الشعر الكلاسيكي الكوردي، تحوّل بوجود القائد مسعود بارزاني إلى نقطة التقاء تاريخية بين جغرافية مقسمة وروح أمة موحدة. ولم تكن مشاركة البارزاني مجرد حضور بروتوكولي، بل كانت لحظة انكشاف روحي ووجداني عميق، أعادت هيكلة الوعي القومي الكوردي على أساس النسب الروحي والقرابة التاريخية التي تتحدى ترسيم الحدود القسرية.
إن عمق الحدث لم يكمن في الخطابات الرسمية، بل في الاعترافات الجارفة التي نُطقت بلسان الشعب. فعبارة “أنت بمثابة خال وعم لنا”، التي وجهها أحد أبناء الشمال للبارزاني، لم تكن مجرد مجاملة اجتماعية؛ بل هي إقرار سياسي ووجداني بـ “الشرعية القومية” للقيادة التي تتخطى القوانين العابرة. إنها تجسيد لاستدعاء رمزية الأب المؤسس والقيادة الجامعة التي تضطلع بمسؤولية توحيد المكونات القومية كافة.
لكن النقطة الأكثر دلالة وفلسفية كانت في اعتراف آخر صريح ومؤثر: “نحن في طفولتنا كبرنا على خيالك”. هنا، يرتفع المشهد من مستوى الواقع المعاش إلى فضاء أركيولوجيا الذاكرة الجماعية. هذه العبارة البليغة لا تعني التعلق بشخص، بل تعني التشكّل والتبلور النفسي على أيقونة المقاومة الأزلية. إن صورة الثائر، الذي خاض معركة الوجود ضد فِكرة المحو والإلغاء الهوياتي، لم تكن بالنسبة للطفل الكوردي مجرد قصص عابرة، بل كانت النسيج الإدراكي الذي بُنيت عليه نفسية جيل كامل في بيئة حاولت إنكار وجوده جملة وتفصيلاً. هذا الخيال الثوري، بكل ما يحمله من صمود وعمق تضحية، تحوّل إلى مايشبه الأساطير أو القصص الأساسية التي تشكّل هوية الأمة ووعيها، والتي منحت الجيل الجديد قوة إثبات الذات والوجود لتعريف ذاته.
القائد مسعود بارزاني، في هذا السياق، لم يعد مجرد صانع للقرارات السياسية اليومية؛ بل هو حارس السردية القومية ومؤسس الرؤية القومية أو رائد الآمال الوطنية للأمة. لقد رسّخ في اللاوعي الجمعي صورة القائد الذي لا يتراجع عن الحقوق، مما سمح للأجيال بأن تحوّل تلك الصورة من فكرة مجردة إلى هدف وطني ناضج ومرتجى، يمثل أساساً صلباً لمشروع التحرر والهوية.
لقد كانت زيارة البارزاني إلى ولاية شرناخ لحظة انكشاف روحي عميق أو لحظة إدراك عظيم بلغت فيها الكثافة الوجدانية ذروتها. إذ أن ما شهده الاستقبال الشعبي الحاشد من التفاف جماهيري تجاوز كل التصورات المعتادة، لم يكن احتفاءً بضيف فحسب، بل كان تجلّياً صريحاً للشوق العميق والحاجة الملحة لقيادة قومية موحدة.
لقد وثّق هذا الحماس الفياض حقيقة راسخة ومريرة: وهي أن هذا الشعب في شمال كوردستان ظل فاقداً منذ زمن طويل لذلك القائد القومي الذي يملك شرعية الرمز القاطع والنسب الروحي التاريخي. القيادات المحلية، على أهميتها، لم تستطع أن تملأ الفراغ الذي تركه غياب الرمز الذي يستمد شرعيته من تاريخ الأمة الكبرى ووحدة قضيتها. مثّلت هذه الزيارة لحظة استرداد رمزي لشرعية القيادة القومية في أرض لم تشهد مثل هذا التوحيد الوجداني منذ عقود، حيث تلاشت الحدود المصطنعة أمام تدفق العاطفة الوطنية الصادقة.
يؤكد هذا التفاعل مع البارزاني، حقيقة سوسيولوجية وسياسية عميقة: إن الأحلام القومية العظيمة لا تنتقل بالوثائق، بل عبر رمزية القائد الثائر الخالد. هذا الخيال الذي غذى طفولة الأجيال ليس مجرد حنين عابر، بل هو إرث مُلزم بحماية المكتسبات والاستمرار في طريق النضال.
وفي ختام المشهد، وخلال الكلمات التي وجهت للبارزاني، جاءت الخلاصة الأكثر عمقاً وتوحيداً، عندما صرّح أحد أبناء شمال كوردستان بوضوح: “نحن نرى القضية الكوردية متجسدة في شخص مسعود بارزاني، تماماً كما كانت متجسدة في القائد القومي الخالد ملا مصطفى بارزاني”.
هذا التصريح يُعد بمثابة الختم التاريخي الذي يؤكد أن مسيرة النضال من أجل الهوية والوجود لم تنقطع. إنه ربطٌ محكم بين الأجيال، يُفصح عن أن سلالة البارزاني لم تعد مجرد عائلة سياسية، بل أصبحت سلالة رمزية تتبوأ قيادة الأمة وقضيتها الموحدة. هذا الربط يعكس وعياً كاملاً بأن الوحدة الكوردية ليست مجرد مشروع سياسي ينتظر التوقيع، بل هي حالة وجدانية مكتملة ومتواصلة، تتجسد في اعتراف جيل كامل بأن أساس نشأته الروحية والوطنية قام على خيال رجل حمل على عاتقه مهمة الحفاظ على روح الأمة.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
