التحديات امام المجتمع الايزيدي والمسؤولية المشتركة
الشيخ زيدو باعدري
لاريب أن اثنين لا يختلفان على أن المجتمع الإيزيدي يمرُّ اليوم بمرحلة حساسة ودقيقة من تاريخه الحديث.
مرحلةٌ تتداخل فيها آثار الإبادات الجماعية مع تحديّات الهجرة والتشتت في بقاع العالم، وضعف التمثيل السياسي والقلق على الهوية والمستقبل. وبينما ينشغل الكثيرون بتشخيص الأزمات وتعداد المشكلات تبقى الحاجةُ الأكبرُ في البحث عن الحلول ووضع رؤية واقعية للخروج من حالة الجمود والتراجع واليأس.
إن الاعتراف بوجود المشكلة ليس ضعفاً، بل هو الخطوة الأولى نحو العلاج. وأولُّ ما ينبغي الاعتراف به هو أن التشتت الذي يعيشه المجتمع الإيزيدي اليوم لم يعد تشتتاً جغرافياً فحسب، بل أصبح تشتُّتاً في الرؤى والجهود والأولويات. فهناك طاقات كبيرة وكفاءات متميّزة وإمكانات بشرية مهمة، لكن غياب التنسيق والعمل المؤسسي جعل أثرها أقلّ ممّا ينبغي، ويضعف الأداء الدبلوماسي.
لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات الصغيرة لا تستطيع حماية وجودها بالاعتماد على ردود الأفعال أو المبادرات الفردية فقط، بل تحتاج إلى مؤسسات قوية ورؤية واضحة وأهداف مشتركة تصبُّ في مصلحة الجميع دون استثناء. ولذلك فإن أولى خطوة علاجية تتمثل في الانتقال من ثقافة الأشخاص إلى ثقافة المؤسسات.
نحن بحاجة إلى مجلس استشاري يضم شخصيات دينية وسياسية وأكاديمية وثقافية واجتماعية واقتصادية من الداخل والخارج، تكون مهمته دراسةَ التحديّات وأسبابها، ووضع المقترحات الواقعية الممكنة، ومتابعة الملفات المصيرية بعيداً عن الحسابات الضيّقة ذات النزعة الدينية المتعصبة، والعشائرية، وهي التي بدورها تولد الانقسامات.
واليوم، المجتمع الإيزيدي بحاجة إلى لجنة دائمة لمتابعة الحقوق والمطالب المشروعة في بغداد وأربيل، والمحافل الدولية، بحيث تتحوّل المطالب إلى برامج عمل وخطط متابعة، لا إلى شعاراتٍ موسمية براقة ترتبط بالمناسبات والأزمات فقط.
أما على المستوى الوقائي، فإن أخطر ما يواجهنا اليوم هو استمرار الهجرة واستنزاف الطاقات الشابة. لذلك يجب أن يكون الاستثمار في الشباب والتعليم والتدريب المهني والثقافي أولوية قصوى. فالمجتمع الذي يفقد شبابَه يفقدُ مستقبله الحتمي، مهما كانت قوة تاريخه أو عمق تراثه.
كما أن الحفاظ على الهوية الإيزيدية لم يعدْ مسؤوليةَ رجال الدين وحدَهم، بل أصبح مسؤولية جماعية تشارك فيها الأسرة والمدرسة والمثقف والمجالس، والإعلام والمؤسسة الدينية والاجتماعية. فالهوية تُحفظ بالمعرفة والثقافة والانتماء الحضاري، لا بالشعارات وحدها.
ومن الضروري أيضاً معالجة ظاهرة الخلافات التي تتفاقم عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فحريةُ التعبير حقٌّ مشروعٌ، لكن تحويل المنصات الإلكترونية إلى ساحات للاتهامات والإساءة والتخوين يضرُّ بالمجتمع أكثر ممّا يخدمه. نحن بحاجة إلى ثقافة الحوار، وإلى ميثاق أخلاقي غير مكتوب يقوم على احترام الآخر، والاعتراف به، والابتعاد عن التجريح الشخصي.
كما أن نجاح أيّ قضية يتطلب امتلاك خطاب دبلوماسي متّزن، وحديث، وينسجم مع ثقافة العصر. فالعالم لا يتعاملُ مع الانفعالات بقدر ما يتعامل مع البرامج والمشاريع والرؤى الواضحة. لذلك ينبغي تشجيعُ ثقافة الحوار، وبناء العلاقات وكسب الحلفاء، لأن القضايا العادلة تحتاج دائماً إلى من يدافع عنها، ويشرحها بلغة عقلانية ومؤثرة.
ومن أهم خطوات العلاج أيضاً نشر ثقافة النقد الذاتي البنّاء. فليس من المعقول أن نطالبَ الآخرين بالاعتراف بأخطائهم بينما نرفض نحن مراجعة تجاربنا وأدائنا. إن الاعتراف بالتقصير أو الخطأ لا ينتقصُ من قيمة أحد، بل يعزّز الثقة ويؤسس لمرحلة جديدة من العمل المسؤول.
كما أن الاستماع إلى الآراء المختلفة واحترام الأصوات المعارضة بآذان صاغية يجبُ أن يتحوّل إلى ثقافة عامة داخل المجتمع. فالرأيُ المخالفُ ليس عدواً بالضرورة، بل قد يكون جرس إنذار أو فرصة لاكتشاف جوانب غابت عن الآخرين. والمجتمعات التي تحترم التعددية الفكرية تكون أكثر قدرة على التطور والتكيف مع المتغيرات.
أما على المستوى السياسي، فإن المجتمع الإيزيدي بحاجة إلى توحيد أولوياته الأساسية بعيداً عن الاصطفافات الحزبية الضيّقة. فالقضايا المتعلقة بالأمن والاستقرار والعودة وإعادة الإعمار والتعليم والتمثيل السياسي يجب أن تبقى فوق الخلافات والمنافسات.
في الوقت نفسه، لا بدّ من العمل على بناء شبكة علاقات ولوبي إيزيدي فاعل داخل كوردستان وخارجها، يستندُ إلى الكفاءات العلمية والقانونية والإعلامية والاقتصادية الموجودة في الوطن والمهجر. فحقوقُ الشعوب لا تُصان بالنوايا الحسنة فحسب، بل تحتاج إلى مؤسسات ضغط ومتابعة وتخطيط طويل الأمد.
إن مستقبل الإيزيديين لن يُبنى بالخوف من النقد، ولا بالحنين الأعمى إلى الماضي، ولا بانتظار الحلول من الآخرين. بل يُبنى بالإرادة والعمل المشترك والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص للنهوض.
إن المرحلة الحالية تتطلّب الشجاعة في التشخيص، والحكمة في المعالجات، وإيماناً بأن الإصلاح ممكنٌ مهما كانت الصعوبات. فالإيزيديون الذين استطاعوا البقاء رغم عشرات الأنفال والفرمانات قادرون أيضاً على تجاوُز أزماتهم الحالية إذا توفرت الرؤية والإدارة الناجحة، والإرادة الجماعية.
ختاماً:
إن أخطر ما يهدّد أيّ مجتمع ليس حجم التحديّات التي تواجهه، بل فقدان الثقة بقدرته على مواجهتها. وما دام في المجتمع الإيزيدي رجالٌ ونساءٌ وشبابٌ يؤمنون بمستقبل أفضل، فإن الأمل سيبقى قائماً، وسيبقى الإصلاح ممكناً، وستبقى المسؤولية مشتركة بين الجميع من أجل حماية الهُويّة المقدسة، وصون الكرامة، وبناء مستقبل يليق بالأجيال القادمة كي لا نشعر بالخجل منها.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
